الجمعة، 14 نوفمبر 2025

ثلج فوق نهر نيفا

‏قصة من الأدب الروسي، تدور أحداثها في زمن الثورة البلشفية:

"ثلج فوق نهر نيفا"

كانت بتروغراد تغرق في شتاء قاسٍ، والدخان المتصاعد من المصانع المختلطة بأصوات الثورة يصنعان لوحةً لا تُنسى. وسط هذا الاضطراب، كان فيودور، شاب في الثالثة والعشرين، يعمل طبيبًا ميدانيًا مع المتطوعين. لم يختر الحرب، لكنها فرضت نفسها على حياته.

في إحدى الأمسيات، دخلت إلى المستشفى الميداني فتاة ترتجف من البرد، تحمل ضمادة حمراء على كتفها، آثار جرح صغير لم يلتئم بعد. كانت ملامحها هادئة رغم العاصفة حولها، وشعرها الأشقر ينسدل على وجهها الناعم. عندما التقت عيناها بعيني فيودور، شعر وكأن ضوضاء الثورة الروسية كلها اختفت فجأة.

- "ما اسمك؟"
- "فالنتينا… كنت أساعد في نقل الإمدادات حين أصابتني شظية."

ابتسم فيودور بخفة وهو يبدأ بتنظيف الجرح.
- "أنت فتاة شجاعة… لكن كان بإمكانك ترك المهمة لغيرك."

رفعت حاجبيها:
- "وفي زمن مثل هذا؟ كلٌّ منا يحمل عبئه، أليس كذلك يا دكتور؟"

ضحك:
- "ناديني فيودور، هذا يكفي."

منذ تلك اللحظة، أصبحت زيارات فالنتينا متكررة، أحيانًا لجلب الطعام للجرحى، وأحيانًا دون سبب واضح سوى اقتراب خطواتها من خيمة الطبيب الشاب.

كانا يجلسان قرب مدفأة صغيرة يراقبان الثلج المتساقط خارجًا، يتحدثان عن كل شيء: الكتب، والموسيقى، وحلم الحياة الهادئة بعد انتهاء كل هذا الجنون.

ذات ليلة عاصفة، تأخر فيودور في العودة إلى خيمته. وجد فالنتينا تنتظره عند المدخل، تحمل قطعة خبز دافئة.

- "ظننتُ أنك لم تأكل شيئًا اليوم."

اقترب منها، والثلج يذوب فوق كتفه. نظر إليها طويلًا، وكأنها الشيء الوحيد الثابت في زمن لا يعرف الثبات.

- "فالنتينا… عندما تنتهي هذه الثورة، عندما تهدأ روسيا، هل… هل تبقين؟"

ابتسمت، بخجل يذيب برد الشمال.
- "سأبقى… طالما بقيت أنت."

وفي تلك الليلة، بينما كانت المدافع ترسم صدى بعيدًا في الأفق، كان فيودور وفالنتينا يقفان تحت سماء تمتلئ بالثلج، يداهما متشابكتان، وقلباهما ينبضان كأنهما يعيدان للمدينة المنهكة شيئًا من دفئها القديم.

لم يعرفا ما ينتظرهما الغد، لكنهما عرفا شيئًا واحدًا: في زمن تتغير فيه روسيا بالكامل… وجد كلٌّ منهما نصفه الآخر ."